قبل لجوئنا إلى أوروبا بفعل الحرب الدامية التي دارت رحاها في أكثر من بلد عربي ، والتي أدَّت إلى تشريدنا وتشتتنا ، كنا نتابع الكثير من تلك المحاضرات التي كان يلقيها سياسيون ومثقفون من دول الاتحاد الأوروبي ، والتي تتحدَّث بمجملها عن القيم الأوروبية التي أكّدت شعورها في عملية إنشاء الاتحاد الأوروبي ،أنها تعمل على إنشاء اتحاداً أوثق فيما بينها ، لذا فهي تعتزم التشارك في مستقبل آمن قائم على القيم المشتركة من خلال .إدراكها لتراثها الروحي والأخلاقي – يتأسس الاتحاد على القيم العامة التي لا تتجزأ للكرامة الإنسانية ، والحرية والمساواة ، والعدل والتضامن،على أساس مبادئ الديموقراطية وسلطان القانون، ويضع الفرد في القلب من أنشطته بالاعتراف بالمواطنة للاتحادالأوروبي ،أي يصبح مواطن أوروبي ، ويعمل على خلق مساحة للحرية والمساواة والعدل والأمن. كما يسهم الاتحاد الأوروبي في المحافظة على تنمية هذه القيم المشتركة، بينما يحترم تنوع ثقافات وتقاليد شعوب أوروبا، وكذلك الهويات القومية ( الهويات الكبرى ،والهويات الصغرى ) للدول الأعضاء، وتنظيم سلطاتها العامة على المستويات القومية والإقليمية والمحلية، وينشد الاتحاد الأوروبي تشجيع التنمية المتوازنة والمستمرة، ويضمن حرية الحركة بالنسبة للأشخاص والسلع ورأس المال والخدمات ، وحرية إقامة علاقات الصداقة.
 
ومن أجل تحقيق هذا الهدف يكون من الضروري تقوية حماية الحقوق الأساسية في ضوء تغيرات المجتمع، والتقدم الاجتماعي، والتطورات العلمية والتكنولوجية بجعل تلك الحقوق أكثر وضوحاً وأهمية في الميثاق.ويجدد هذا الميثاق ، أي ميثاق الاتحاد الأوروبي تأكيده بالاحترام الواجب لسلطات ووظائف المجتمع والاتحاد، ومبدأ المشاركة في اتخاذ القرار على الحقوق الناشئة على وجه الخصوص ،عن التقاليد الدستورية والالتزامات الدولية المشتركة بين الدول الأعضاء، والمعاهدة بشأن الاتحاد الأوروبي، ومعاهدات المجتمع، والمواثيق الاجتماعية التي يتبناها المجتمع والمجلس الأوروبي والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ، وقانون الدعوى لمحكمة العدل للمجتمعات الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان) .
 
من المعروف أيضاً أنَّ قارة أوروبا التي دمرتها الحروب الدموية الطاحنة،والتي كان من نتيجتها التدمير شبه الشامل للدول والمدن والقرى الأوروبية ، والتي تمكنت قارة أوروبا فيما بعد بطريقة ما من ابتكار طريقة أو شكل من أشكال المصالحات والتوافق بين دول أوروبا، والخروج من تحت الركام، تدرك أن الاتحاد كان أكثر من مجرد تحويلات وميزانيات مالية. وهذا يعني ترميم الجسم الأوروبي وتنقيته من الانقسامات العرقية والدينية والطائقية ،والانتماءات الضيقة، والدفاع عن حقوق الإنسان ليس على الساحة الأوروبية فقط، بل على الساحة العالمية أيضاً. لكن هذا الإيمان بالقاعدة المتينة الراسخة لقيم الاتحاد الأوروبي بدأ يضعف بشكلٍ واضح في السنوات الأخيرة مع صعود الشعبويين اليمينيين المتطرفين في استطلاعات الرأي في جميع أنحاء القارة. وكادت الثقة بتلك القيم التي أرستها أن تنهار،من جرّاء تصرفات قادة المجر وبولندا - وهما دولتان، لولا وجودهما في أوروبا، لتعرضتا لكثير من الانتقادات من قبل الدبلوماسيين الأوروبيين باعتبارهما أنظمة استبدادية ناشئة في العالم الثالث. فعلى سبيل المثال تعهّد رئيسا وزراء بولندا ماتيوس مورافيسكي ، والمجر فيكتور أوربان، بإعلان جبهة موحدة والتمسك بحق النقض ضد ميزانية الاتحاد الأوروبي ،وصندوقه الضخم لمواجهة وباء كورونا. ووقع رئيسا وزراء بولندا والمجر إعلانا مشتركا يتعهدان فيه بأن تدعم كل دولة موقف الأخرى في الاعتراض على خطة الإنفاق للاتحاد الأوروبي، إذا استمر الاتحاد الأوروبي في ربط صرف أموال الاتحاد بالتزام الدول الأعضاء بسيادة القانون. وتعتبر كل من المجر وبولندا أن آلية الاتحاد الأوروبي التي تربط تقديم المساعدات المالية للدول الأعضاء بضرورة احترام سيادة القانون، من شأنها أن (تخاطر بإخراج التكتّل الأوروبي عن مساره) فضلا عن التسبب في تفكيكه، فقد عزز زعماء التنظيمات والمؤسسات غير الليبرالية في المجر وبولندا سلطتهم على حساب تقويض المؤسسات المستقلة حتى في الوقت الذي تلقت فيه حكوماتهم التحويلات المالية من بقية دول الاتحاد الأوروبي، لذا بث قرار الاتحاد الأوروبي بربط حصول كل منهما على مساعدات الإنقاذ باحترام القانون، شعوراً عارماً بالارتياح وإن كان القرار قد تاخر لوقتٍ ما .
 
كان ينبغي أن تكون قضية المال وصفقة الميزانية التي توصَّل إليها القادة الأوروبيون الأسبوع الماضي خطوة كبيرة وسريعة إلى الأمام. فقد حدَّد الاتحاد الأوروبي أهدافاً أكثر طموحاً على صعيد المناخ تمثلت في الحد من الانبعاثات بنسبة 55٪ على الأقل. وسوف يحوِّل صندوق التعافي من جائحة كوفيد 19 وكوفيد 20 المتجدّد الذي حددت قيمته عند 750 مليار يورو، الأموال مباشرة إلى الدول الأعضاء الأكثر تضرراً، بتمويل الاقتراض من قبل المفوضية الأوروبية نفسها. ويمكن اعتبار الصفقة حلاً وسطاً لا يخلو من مساومات، لكنه خطوة إيجابية على طريق توزيع ومناقلة الأموال بين دول الاتحاد ،فقد توصل قادة الاتحاد الأوروبي إلى تسوية مع بولندا والمجر اليوم الخميس تسمح بالمضي قدما في حزمة مالية حجمها 1.8 تريليون يورو لمساعدة الاقتصاد على التعافي من الركود الذي أفرزته جائحة فيروس كورونا. وقال شارل ميشيل رئيس المجلس الأوروبي على تويتر ( بوسعنا الآن الشروع في التنفيذ وإعادة بناء اقتصاداتنا. حزمتنا التاريخية للإنعاش الاقتصادي ستقود تحولنا البيئي والرقمي) . من المؤسف أن ثمن التسوية - أي التأخير الفعلي في تطبيق شرط سيادة القانون - ربما كان باهظاً للغاية. فما كان ينبغي لزعماء أوروبا أن يتساهلوا مع المجر وبولندا طيلة تلك المدة. والآن، في اللحظة الحاسمة، أجَّلوا الحساب مرة أخرى.وقد وصف الملياردير الليبرالي جورج سوروس الصفقة بأنها (أسوأ ما هو متاح في عالم التسويات). فإذا كانت أوروبا تنوي تمتين قواعد الاتحاد على أساس القيم الليبرالية، فإن أولئك الذين يهاجمون تلك القيم لا يستحقون أن يعاملهم شركاؤهم على أنهم يمتلكون حججاً مشروعة. وسواء كان تحالفاً أو اتحاداً، يجب أن تكون أي مجموعة من الحكومات قادرة على تأديب الأعضاء المشاغبين لخرقهم قيمه بشكل صارخ ومتكرِّر. المشكلة أنَّنا لا ندري هل تجاوز زعماء بولندا أو المجر الخط الأحمر أم لا ؟ وهل هناك خط أحمر بالنسبة لهم، أو لأي من هؤلاء الشعبويين يمكن أن يتولى الحكم بعد ذلك في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي ؟
 
لدينا في آسيا مجموعة دول فشلت في الارتقاء إلى مستوى إمكاناتها على وجه التحديد، لأنها لا تستطيع استبعاد أو تأديب أي من أعضائها، كما رابطة دول جنوب شرق آسيا.ورابطة دول جنوب شرق آسيا المعروف اختصارا باسم آسيان هي منظمة اقتصادية تضم 10 دول في جنوب شرق آسيا. تأسس الاتحاد في 8 أغسطس 1967 في العاصمة التايلاندية بانكوك، ولذا يحتفل يوم 8 أغسطس بيوم أسيان. مؤسسي أسيان هم تايلاند، وإندونيسيا، والفلبين، وماليزيا، وسنغافورة. لدى أسيان شعار وهو ( رؤية واحدة، هوية واحدة، مجتمع واحد).
وإذا كانت هناك عبرة من تجربة السنوات العشر الماضية فهي أنَّه لا يمكنك المساومة مع الشعبويين اليمينيين غير الليبراليين أو رشوتهم بالتمويل المالي والمعنوي على أمل أن يخففوا من شعوبيتهم ويمينيتهم المفرطة التي تتصف بنزعتها النازية . وعلى المدى الطويل، قد يكون فشل أوروبا في التعامل مع المجر وبولندا أكثر ضرراً على مكانة الاتحاد الأوروبي على الصعيد العالمي، من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي . ذلك أن رحيل عنصر ساخط يزيد من قوة الاتحاد بقدرٍ كبير . أما السماح للأعضاء بتخريب الاتحاد من الداخل فسوف يجعله أضعف وغير قادر على الدفاع عن قيمه .
الحياة برس
( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )